المادة    
  1. التفريق بين الحقيقة والشريعة

    لقد اعتقد البعض أن الدين حقيقة وشريعة على القسمة المعروفة عند الصوفية ، وأن الحقيقة هي باطن الأمر، والشريعة هي مجرد الظاهر، وهذا كان سبباً في الضلالة؛ لأنها أفضت بهم إلى القول بخاتم الأولياء، ودعوى الولاية الباطنة.
    فأما الحقيقة والشريعة فنتجاوز الكلام عنها؛ لأن المقام ليس مقام التفصيل فيها، فقد تقدم عنها كلام ونرجو إن شاء الله أنها معلومة عند الجميع؛ ومرادنا الآن هو بحث الفرق بين الولي الصادق وبين أولياء الشيطان، ومعرفة هذا من هذا، وتمييز ذا من ذا، فدعوى الحقيقة التي يدعيها أولئك هي دعوى مبسوطة في مواضع أخرى، ومن احتجاجهم لها أنهم احتجوا بقصة موسى والخضر عليهم السلام، وما أشبه ذلك مما قد تكلمنا عنه من قبل.
  2. اعتقاد أن مقام الولاية فوق مقام النبوة

    وهذا من مشابهتهم وأخذهم عن الفلاسفة الذين علموهم أن مقام النبوة دون مقام الولاية، وأن النبوة عندهم أمرٌ مكتسب، والكلام الذي في تعريف الرسالة يحتاج إلى شرح ليس هذا محله؛ لأننا إن شاء الله تعالى سنعرض له بإذن الله في موضوع الكرامات بالتفصيل.
    فهم زعموا أن النبي لا بد أن يكون له قوة تخيلية، أو قوة علمية، وقوة نفسية، وقوة فعالة أو تخييلية، والصوفية أخذوا هذا عن المتفلسفة، فـابن عربي وأمثاله إنما اتبعوا أرسطو و أفلاطون ، وظنوا أن ما قاله أرسطو عن الله وعن العقل الفعال وعن الأفلاك ينطبق على الملائكة، وما قاله عن القوة التخييلية ينطبق على الوحي، وأن النبوة تكون مكتسبة، فكذلك الولاية تكون مكتسبة، بل زادوا على هذا فجعلوا الولي أعظم من النبي فقالوا:
    مقام النبوة في برزخ             فويق الرسول ودون الولي
    فجعلوا الولي أعلى من النبي، وجعلوا خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر صريح والعياذ بالله، وقد أخذوه من كلام الفلاسفة ومصطلحاتهم، وألبسوها لباس الإسلام، وأدخلوها في دين الإسلام، وموهوا بها على الناس؛ ولذلك ذكر الشيخ رحمه الله بعض كلام ابن عربي في هذا، وبين أنهم جعلوا العقل الفعال هو الله تعالى مثلاً، وضلوا في الكلام عن عالم الجبروت، وعالم الملكوت، وعالم الشهادة، ويقولون: إن الأفلاك هي الملائكة وغير ذلك من الضلالات التي كفروا بها، نسأل الله العفو والعافية.
  3. طروء الأحوال الشيطانية في المكاشفات

    قال الشيخ رحمه الله: (ولهذا عامة كلامهم -أي: هؤلاء الملاحدة- إنما هو في الحالات الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات: باب أرض الحقيقة، ويقولون: هي أرض الخيال)... (وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم) وهنا يظهر الفرق، فالمكاشفات والمخاطبات تأتي من أرواح الجن والشياطين.
    يقول الشيخ رحمه الله عن هذه المخاطبات: (وهي جن وشياطين، فيظنونها ملائكة) فيقول قائلهم: جاءني ملك وخاطبني، ويقول: وكان وجهه أبيض، وعليه نور، ويلبس ملابس بيضاء، مع أن الشيطان يمكن أن يلبس الأبيض، فكيف عرف هذا أنه ملك؟ فليس لمجرد النور أو المظهر يلزم أن يكون ملكاً.
    يقول رحمه الله: (كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام).
    كما حصل لبعض العرب في الجاهلية، ولعباد الكواكب الذين في بلاد العراق وبعث فيهم إبراهيم عليه السلام، فقد كان هؤلاء يبنون الهياكل، فيبنون هيكلاً للمشتري، وهيكلاً للمريخ، وهكذا، ويخاطبون منها، ويظنون أن الكواكب المعبودة تخاطبهم، وهو شيطان يخاطبهم من داخلها.
    والعزى التي كانت تعبد عند العرب كانوا يخاطبون منها، فالشياطين تتكلم من الأماكن كالشجرة، أو الصخرة، أو الهيكل الذي يتعبدون فيه، فيظن أولئك المساكين أن الآلهة المعبودة -ولا إله إلا هو تبارك وتعالى- هي التي تخاطبهم!
    ثم يأتي شيخ الإسلام بأدلة من التاريخ فيقول: (وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام -أي: من يدعون المخاطبات والمكاشفات - المختار بن عبيد -والصحابة لا يزالون أحياء- الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سيكون في ثقيف -أي: قبيلة ثقيف المعروفة- كذاب ومبير ) -وهذا من آيات النبوة- وكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد والمبير: الحجاج بن يوسف؛ ولهذا لما قيل لـابن عمر و ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا: صدق! إن الله تعالى يقول: (( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ))[الشعراء:221-222]، وقال الآخر: وقيل له: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، أيضاً قيل: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: نعم قال الله تعالى: (( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ))[الأنعام:121] )، وهنا يظهر فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، حيث أكدوا بما ذكروه من الآيات أن الشياطين توحي إليه.
    إذاً: العبرة في مضمون المكاشفات، أما مجرد القول أنه يوحى إلي فلا عبرة به؛ لأن المختار كان يخرق عليهم، وكان معه تابوت، ويقول: هذا هو التابوت الذي فيه السكينة، وأنه مثل الذي عند بني إسرائيل، فهذه الدعاوى قد ظهرت في أيام الصحابة! والصحابة لا يزالون أحياء، فما بالكم بمن بعدهم، ولكن الصحابة بينوا بطلانها.
    فإذاً: أول من أظهر وادعى المكاشفات والمخاطبات التي هي من الشيطان ويظنها الجهلة من الرحمن هو المختار بن عبيد .
    ولذلك فقد جاء واحد من الشعراء إلى المختار بن عبيد ، وحاله كحال بعض الصحفيين في هذا العصر ممن يريد أن يحصل على المال فقط من خلال مدح من يعرف طغيانهم، فهذا الشاعر قال للمختار قصيدة شعرية يمدحه فيها، وفي تلك الأيام كان الشعراء بمثابة الإذاعات والتلفزيونات، فكان الطواغيت والمجرمون والضالون إعلامهم الشعراء، فهذا الشاعر عمل للمختار قصيدة طويلة ذكر فيها أنه رأى السكينة والملائكة، وأنه ذهب إلى المعركة فرأى الملائكة نزلت لنصرة المختار ، وهذا الشاعر كان ممن كان يحاربهم المختار وقد أسره المختار ، وقال له: أعلن هذا، فخرج وقال للناس: لما كنا نحارب المختار رأينا طيوراً بيضاً نزلت على خيل من السماء وحاربتنا، وانهزمنا وأسرنا المختار ، فأعطاه المختار أموالاً كثيرة، ومن قوله في قصيدته:
    أري عيني ما لم تبصراه            كلانا عالم بالترهات
    يعني: أنا أريت عيني شيء ما رأته، وأنا والمختار نعلم أن هذا كذب، لكن هو يريد أن يستفيد مني، وأنا أستفيد منه الدنانير، وكلها مخرقة ودجل وكذب، نعوذ بالله من الضلال.
    قال الشيخ رحمه الله: (وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقى إليه ذلك الكتاب).
    فـابن عربي يقول: إن روحاً أوحى إلي كتاب الفتوحات ، وهذا الروح هو الوحي نفسه، ولكنه شيطان نعوذ بالله من ذلك.
    ثم يضيف شيخ الإسلام قائلاً: (ولهذا يذكر أنواعاً من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالاً بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء -فهذا أمر قد عرفه شخصياً- عدداً، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به)، وهذا تجده يأكل ويقول: الله تعالى يطعم من يشاء، وهذه من الكرامات، والحق أن هو الشياطين سرقت المال، وأصحابه يبحثون عنه، وهؤلاء يأكلونه ويظنون أنه من الحلال والعياذ بالله.
    قال الشيخ رحمه الله: (ومنهم من كانت تدله على السرقات بجعل يحصل له من الناس، أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم، ونحو ذلك).
    وشيخ الإسلام كأنه يتكلم عن مثل واقعنا الآن مع هؤلاء الدجالين، فإذا ضاع شيء تجد بعض الناس يذهبون إلى هذا الدجال ويعطونه مالاً قليلاً فيقول: لا أقدر، وإذا أعطيته مالاً كثيراً يقول: لا بأس، فلو كان الأمر مجرد معرفة مكان الشيء الضائع لم يكن هنالك فرق بين قليل المال وكثيره، ولكان العلم بالمسروق مضبوطاً، فلماذا إذا كثر المال يزيد العلم بالمسروق؟
    الجواب: أن ذلك إنما هو -والعياذ بالله- مقابل هذه الضلالات التي يفعلونها، من الذبح للشياطين، ومن أخبث ما يكون أن يقول الدجال للبعض: خذ دجاجة سوداء، وخذ تيساً أسود، إلى غير ذلك، ولا تذكر اسم الله، واذبح عند البيت، وضع كذا في كذا، وهذه الأمور تدخله في الشرك الأكبر، والمسكين يظن أنه تعافى، أو حصل على ما فقد، وهو قد ضاع أعظم منه من هذا المال في شراء التيس ونحوه.
    فتجد أن هؤلاء في القديم والحديث يبيعون الدين بالدنيا، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويؤثرون العاجلة على الباقية، وهذه مشكلتهم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلص الأمة من شرهم ومكرهم وخبثهم.
    ولن ندخل في موضوع الكرامات وما إلى ذلك، وإن كانت متصلة بالموضوع؛ لأن الكرامات لها مبحث آخر يأتي في آخر أبواب العقيدة إن شاء الله.
    وقد نبهنا أن الإمام الطحاوي رحمه الله ما كان يبوب، بل كان يسترسل في المسألة، فيأتي بالقضايا المتباعدة والمتفاوتة في غير مكانها، فشرحنا كلامه كما رتبه هو، وكما رتبه الشارح.
    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.