المادة    
ثم يروي ابن عبد البر رحمه الله بسنده إلى مالك بن أنس رحمه الله فيقول: " قال مالك بن أنس: [[ الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان ]]".
وهذا فيه تفسير لقوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))[الحديد:4]، أي: بعلمه، لا يخلو من علمه تعالى مكان.
قال: "وقيل لـمالك ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))[طه:5] كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله: [[ استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء]].
وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قول الله عز وجل: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى))[طه:5] مثل قول مالك هذا سواء.
وأما احتجاجهم بقوله عز وجل: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ))[المجادلة:7] فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التآويل -يعني تفاسير القرآن- قالوا في تأويل هذه الآية: "هو على العرش، وعلمه في كل مكان"، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله".
فالحافظ أبو عمر رحمه الله -وهو ثقة في نقله وواسع العلم في اطلاعه- يذكر أن هذا بمنزلة الإجماع؛ وأن في تفسير قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))[الحديد:4] إجماعاً أن الله تعالى فوق العرش بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه؛ لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه.
ثم يقول: "ذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ))[المجادلة:7] قال: [[هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا]].
قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله.
قال سنيد: وحدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: [[الله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم]] وأعلم الناس بالتفسير هم ابن عباس، وابن مسعود وتلاميذهما.
قال سنيد: وحدثنا هشيم عن أبي بشر عن مجاهد قال: [[إن بين العرش وبين الملائكة سبعين حجاباً: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة]] .
ثم روى بسنده عن عبد الله بن موسى الضبي "قال: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: ((وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ))[الحديد:4] قال: علمه".
ثم نقل عن أبي داود بسنده: عن ابن المبارك، قال: [[الرب تبارك وتعالى على السماء السابعة على العرش، قيل له: بحد ذلك؟ قال: نعم هو على العرش، فوق سبع سماوات]].
  1. ضلال الجهمية في تأويل الصفات

    ثم قال رحمه الله: "قال أبو داود : وحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثني محمد بن عمرو الكلابي قال: سمعت وكيعاً يقول: كفر بشر بن المريسي في صفته هذه، قال: هو في كل شيء! قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟! قال: نعم! قيل: وفي جوف حمار؟! قال: نعم!".
    بشر بن المريسي من الجهمية، قال: إن الله في كل مكان، فقال وكيع -شيخ الإمام أحمد رضي الله عنهما الإمام المشهور الجليل الثقة-: بهذا الكلام كفر بشر لأنه قال: (هو في كل شيء)؛ فالمراحيض، والقاذورات، وبطون الجيف تعد أمكنة، فالذين يقولون: إن الله في كل مكان -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- يلزم من وصفهم هذا أنه في هذه الأمكنة، وهم يقولون أمراً لا يقوله مسلم، ولو فطنوا له لما قالوا به لمخالفته للمنقول وأيضاً لمخالفته للمعقول.
    ثم قال: "وقال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه: [[إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية]] فاليهود قالت: عزير ابن الله! وقد ذكر الله ذلك عنهم في القرآن، فنحكي ذلك وننقله عنهم، والنصارى قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: عيسى ابن الله، فننقل ذلك ونحكيه عنهم؛ لكن لا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية عندما يقولون: هو في كل مكان.
    يقال: يا جهم ! أو يا بشر ! أهو في كل مكان حتى في المراحيض والجيف؟! فيقول: نعم! فلا نستطيع أن نحكي ذلك، ولهذا فإن أهل السنة يقولون عن الجهمية : هؤلاء كفار زنادقة؛ لأنهم يقولون في الله قولاً عظيماً.
    ولا يستطيع أهل السنة أن ينقلوا كلامهم؛ لأنه لا يتصوره مسلم ولا يتخيله عاقل أبداً.