المادة كاملة    
كتاب (أثر الإمامة في الفقه الجعفري) يثبت أن الفقه الجعفري كله قائم ومركب على عقيدتهم في الإمامة، فالعبادات والمعاملات والأحكام كلها راجعة إلى الإمام، والإمامة عندهم أصل الدين، فمن أراد أن يعرف حقيقة دين مذهب الجعفرية؛ فلابد أن يعرف عقيدتهم في الإمامة، وقد بين هذا الكتاب ذلك بياناً وافياً.
  1. الفقه الجعفري وأثر عقيدة الإمامة فيه

     المرفق    
    إن موضوع كتاب (أثر الإمامة في الفقه الجعفري) يثبت أن الفقه الجعفري كله قائم ومركب على عقيدتهم في الإمامة، فالعبادات والمعاملات والأحكام كلها راجعة إلى الإمامة، وهم يرون أن الإمامة أصل الدين، ولذلك لابد لمن يريد أن يعرف حقيقة دين ومذهب الجعفرية في أي شيء، أن يربطه بالإمامة، وأن يعلم أولاً ما هي عقيدتهم في الإمامة، ومن ذلك مثلاً ما يعتقدونه من عصمة الأئمة، وقد سبق أن تحدثنا عنه.
  2. بعض شبه الرافضة في الإمامة والعصمة المزعومة والرد عليها

     المرفق    
    ذكر السالوس في كتابه الآيات التي يستدلون بها على الإمامة، وهذه الآيات هي:
    أولاً: آية الولاية: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ))[المائدة:55].
    ثانياً: آية المباهلة التي يستدلون بها، وهي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في شأن أهل الكتاب فقال: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))[آل عمران:61].
    ثالثاً: آية التطهير: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))[الأحزاب:33].
    رابعاً: قوله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا))[البقرة:124] وهي أقوى ما استدلوا به، وقد تحدثنا عنها سابقاً.
    ثم بعد ذلك انتقل إلى عصمة الأئمة، وهي تتعلق بما سبق من الآيات في الإمامة، يقول: "ذكرت من قبل ما ذهب إليه الشيعة من القول بعصمة الأئمة، فلا يخطئون عمداً ولا سهواً ولا نسياناً طول حياتهم" وهذا خارجٌ عن طوق البشر "لا فرق في ذلك بين سن الطفولة وسن النضج العقلي، ولا يختص هذا بمرحلة الإمامة" فالإمام معصوم منذ أن يولد.
    والعجب -كما قلنا في رد هذا الكلام- أن المعصوم الذي لا يخطئ، كان من الطبيعي أن يحقق ما يهدف إليه وأن يصل إلى مراده.
    ألا ترون أن أصحاب الآراء الصائبة -من غير المعصومين- يصلون إلى ما يريدون بالرأي الصائب والعقل والحكمة؟ فلماذا المعصوم منذ ولادته عن الخطأ لا يصل إلى شيء؟! فما رأينا أحداً من الأئمة تولى الإمامة، ولا بويع بالخلافة، وإنما هم بين قتيل وسجين وطريد، كما أنهم اختلفوا فيما بينهم في الأقوال والأفعال، ولو كانوا معصومين لما اختلفوا، وهذا دليل على أنه لا يمكن أن يكونوا معصومين.
    يقول: "ومما استدلوا به قوله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))[البقرة:124] قالوا: تدل هذه الآية على أن الإمام لا يكون إلا معصوماً عن القبائح؛ لأن الله سبحانه نفى أن ينال عهده -الذي هو الإمامة- ظالم، ومن ليس بمعصوم قد يكون ظالماً: إما لنفسه، وإما لغيره" لأنه لابد أن يذنب، قال: "فإن قيل: إنما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لا يسمى ظالماً، فيصح أن يناله. فالجواب: أن الظالم وإن تاب، فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالماً، فإذا نفى أن يناله فقد حكم عليه بأنه لا ينالها، والآية مطلقة غير مقيدة بوقت دون وقت، فيجب أن تكون محمولة على الأوقات كلها، فلا ينالها الظالم وإن تاب فيما بعد.
    ثم قالوا: إن الله سبحانه وتعالى عصم اثنين فلم يسجدا لصنم قط، وهما: محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- وعلي بن أبي طالب، فلأحدهما كانت الرسالة، وللآخر كانت الإمامة. أما الخلفاء الثلاثة فلم يعصموا، وهم ظالمون ليسوا أهلاً للإمامة".
    ومعنى كلامهم: أنه ما دام أن الظالم هو من وقع منه الظلم وإن تاب، فإذاً أبو بكر وعمر وعثمان -على كلامهم- قد عبدوا الأصنام، فمهما تابوا ومهما استقاموا ومهما آمنوا، فهم غير معصومين؛ لأنهم قد أشركوا قبل الإسلام، فلا تصح ولا تحق لهم الإمامة، أما علي رضي الله عنه فيقولون: إنه كان مثل النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسجد لصنم قط، لا لأنه كان صغيراً، ولا لأنه تربى في كنف النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل لأنه معصوم عندهم، فلهذا هو الذي يستحق أن يكون إماماً.
    وقد رد عليهم السالوس في ذلك بردود، ومن أهمها قوله: "العصمة من الخطأ كبيره وصغيره، عمداً وسهواً ونسياناً، من المولد إلى الممات، أمر يتنافى مع الطبيعة البشرية، فلا يقبله العقل إلا بدليل قطعي من النقل، وهذه الآية الكريمة لا تثبته للأئمة عموماً فضلاً عن أئمة الجعفرية على وجه الخصوص، على أن دلالة القرآن الكريم تتنافى مع مثل هذه العصمة، حتى بالنسبة لخير البشر جميعاً، الذين اصطفاهم الله تعالى للنبوة والرسالة".
    فيكفينا في الرد عليهم أن نعلم أن عصمة الإمام عن الخطأ والسهو والنسيان أمر خارج عن طبيعة البشر، وحال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يثبت ذلك، فنحن نعلم من صريح القرآن أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقعوا في أخطاء، ولنأخذ على ذلك مثلاً لأول الأنبياء وأول البشر: آدم عليه السلام، قال تعالى: ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى))[طه:121-122] فهو عصى وغوى حين أكل من الشجرة وقد نهاه الله، فالبرغم من عصمته إلا أنه وقع في المنهي عنه، لكن الله اجتباه وهداه وتاب عليه بعد الوقوع في الخطأ.
    وأول الرسل نوح عليه السلام، أخطأ لما دعا الله فقال: ((رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ))[هود:45]، فجعل ابنه من أهله، لأن الله وعده بنجاة أهله، فقال له: ((إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ))[هود:46]، فكيف تسألني أن أنجيه وهو ليس بمؤمن؟! ولهذا استغفر نوح ربه من ذلك.
    وإبراهيم عليه السلام وقع منه شيء من ذلك -أو قريب منه- في الكذبات الثلاث كما هو معلوم.
    وموسى عليه السلام وقع في أشياء كثيرة منها: قوله تعالى: ((فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ))[القصص:15] ثم بعد ذلك ((وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ))[الأعراف:150] وهي التي قال عنها ربنا تبارك وتعالى: ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ))[الأعراف:145]، وهذه الألواح من كلام الله ووحيه أوحاه إليه، وكتبه له بيده عز وجل وهي التوراة، ومع ذلك ألقاها لما غضب لله، لكن هل ينبغي لك إذا غضبت لله أن تخطئ في التصرف في شيء آخر من حق الله تعالى؟! لا، بل تحرص أن تكون متوازناً، لكن موسى -عليه السلام قال لأخيه هارون: كيف يعبدون العجل وقد تركتك وأوكلتك بهم يا هارون، وذهبت إلى لقاء ربي لأتلقى الوحي؟! فألقى الألواح غضباً لله، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، وبالغ في عتاب هارون عليهما السلام، وهو لا ذنب له في ذلك.
    وهكذا يونس عليه السلام ذهب مغاضباً وأبق إلى الفلك المشحون.
    والرسول صلى الله عليه وسلم -وهو أفضل الرسل وخاتمهم، ولو كان أحد معصوماً من الخطأ والسهو والنسيان لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم- ألم يرسل سبعين من القراء ليدعوا إلى الله في القبائل؟ فماذا حدث لهم؟ قتلوا جميعاً، فإذاً: تصرفاته ليست معصومة، ولو كان معصوماً ما وقع منه مثل هذا، وإنما هو بشر يجتهد، فقد يصيب وقد يخطئ، ولله في ذلك الحكمة البالغة، كما أن له حِكمة في صوابه، وأولئك الصحابة نالوا الشهادة واتخذهم الله شهداء، وكانوا سبباً في حماس المؤمنين الآخرين للانتقام من أهل الشرك، وغير ذلك من الحِكَم والمصالح.
    وهناك أحداث في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه لم يكن معصوماً عن السهو والخطأ والنسيان مطلقاً، فكيف يكون ذلك في أحد من الخلق من بعده صلى الله عليه وسلم؟! وإنما عصمه ربه سبحانه وتعالى في الأمر الذي نجزم ونقطع بعصمته فيه، وهو فيما يتعلق بالبلاغ، فإنه لا يبلغ عن الله عز وجل إلا الحق، فلا يخطئ فيه ولا ينسى شيئاً منه، إلا أن يريد الله عز وجل أن ينسيه أو ينسخ ما قد أنزله عليه، أما غير ذلك فيجوز أن يقع منه الخطأ، مثل الحديث المشهور الصحيح: وذلك لما مر بالصحابة وهم يؤبرون -أي: يلقحون النخل-فقال: {أظنكم لو تركتموه لأطلع، فلما تركوه شيص، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا رسول من عند الله، وما أبلغتكم عن الله فخذوه، وأنتم أعلم بأمور دنياكم}، فأمور الدنيا ليس النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً من الخطأ فيها.
  3. القرآن الصامت والقرآن الناطق

     المرفق    
    ثم يتكلم السالوس عن الإمام والقرآن تحت عنوان (القرآن الصامت والقرآن الناطق".
    يقول: "ذكرنا من قبل قول الجعفرية بأن الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه، ولذلك فهم يشيرون إلى القرآن الكريم والإمام بقولهم: ذاك القرآن الصامت، وهذا القرآن الناطق، فالإمام هو -في رأيهم- القرآن الناطق، ودوره بالنسبة للقرآن الصامت كدور النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء" يعني: يفسره ويبينه كما لو كان رسولاً "وما دام القرآن الكريم صامتاً، فلابد من الرجوع إلى القرآن الناطق حتى يوضح مراد الله تعالى" معنى هذا أنه يجب على من أراد فهم القرآن أن يرجع في تفسيره إلى الإمام، وهذا كحال باباوات روما الكاثوليك، فلا يمكن للنصراني أن يقرأ الإنجيل ويأخذ الأحكام دون أن يرجع إلى الباباوات، ولكن الباباوات -على الأقل- موجودون، ويمكن أن يصل الإنسان إليهم، وهم يتكلمون ويخاطبون الناس، أما هؤلاء فأحالوا على معدوم مفقود موهوم، لا وجود له، وعليه فلو أن الناس تُركوا بلا قرآن لكان خيراً لهم من هذه الحيرة، فالقرآن في نظر هؤلاء لا يفهم إلا بإمام، والإمام غائب غير موجود، ويجب أن ينتظر حتى يخرج؛ إذاً الله عز وجل لم ينزل هذا الدين رحمة للعالمين، وأين الرحمة في وجود قرآن لا نفهمه، ولا يجوز أن نرجع إليه، وشارحه ومبينه إمام مفقود غائب؟! وبهذا وبأمثاله يظهر بطلان عقائدهم.
    يقول: "ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية: لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم".
    واعتمد الشيعة في قولهم أن القرآن ناطق على آثار ذكرها السالوس في الحاشية (ص:139) نقلاً عن الشيعة والتشيع (ص:45) قال: "ويزعمون أن الإمام علياً قال: [[ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، أخبركم عنه، إن فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه مختلفين، فلو سألتموني عنه لأخبرتكم عنه لأني أعلمكم]]، ويزعمون كذلك أن الإمام الصادق قال: "إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق" وأن أباه الباقر قال: "القرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا".
    فينسبون إليه أنه يدعي أن القرآن لا يعلمه غيرهم، وأن الله تعالى اختصهم بعلم القرآن، وغيرهم لا يعلمه.
    ويقول: "ولهذا قال الإخباريون من الجعفرية: لا يجوز العمل بظاهر القرآن الكريم، وقال جمهور الجعفرية -وهم الأصوليون- بحجية الظواهر، ولكنهم قالوا: لا يجوز الاستقلال في العمل بظاهر الكتاب بلا مراجعة الأخبار الواردة عن الأئمة" يعني: لا يجوز لأحد أن يعمل بظاهر الكتاب، مثل أن يقرأ آية من القرآن ويأخذ بظاهرها، وإنما عليه أن يرجع -في حلها وفهمها وبيان معناها الحقيقي -إلى الأئمة، فإذا فعل ذلك فإنه يمكن أن يفهم، وبغير ذلك لن يستطع أن يفهم شيئاً.
    ثم يقول تحت عنوان "الظاهر والباطن" (ص:148): "ذكرنا آنفاً موقف الإخباريين من ظاهر القرآن الكريم، ورد جمهور الجعفرية عليهم، فهم يرون حجية الظواهر" وتجد الرافضة يأتون إلى ما فيه خلاف بينهم، كمثل هذه المسألة، فإذا اتهمهم أهل السنة بشيء هو من دينهم، فهم إما أن يقولوا: هذا قول بعضنا، أو يقولوا: هذا ليس في عقيدتنا، وهم يقصدون: ليس في عقيدتنا المجمع عليها، كهذه المسألة: مسألة الظاهر والباطن.
  4. عقيدة تحريف القرآن عند الرافضة

     المرفق    
    ونرجع إلى قولهم في كتاب الله سبحانه وتعالى وهو الذي بنوا عليه كفرهم وضلالهم.
    يقول (ص:153): "بالرجوع إلى كتب الجعفرية نجد جدلاً حول التحريف بين معتدليهم وغلاتهم" نتعرض لهذا الأمر بإيجاز قدر المستطاع، قبل الحديث عن كتبهم بشيء من التفصيل.
    يقول (ص:153): "فمن المقطوع عند جمهور المسلمين أنه ((لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ))[يونس:64] وأن الله تعالى هو الذي تعهد بحفظ القرآن الكريم: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))[الحجر:9] ولذا هيأ له -وسيهيئ له- من يحفظه إلى يوم القيامة" والحمد لله، كما قال بعض العلماء وصدقه عليها بعض المستشرقين، قالوا: لو جمعت نسخ القرآن الموجودة الآن في الأرض جميعاً ولم يبق نسخة واحدة، وأبيدت وأعدمت -بأي شكل من الأشكال- لاستطاع المسلمون أن يكتبوا القرآن كاملاً غير منقوص كما هو في كل البلاد، فجعل الله تعالى أناجيلهم في صدورهم. وهذه ميزة عظيمة، لم يجعلها الله إلا لهذا القرآن، وفي دلائل النبوة قصة ذلك الرجل الذي كان في بغداد، فأسلم، فسئل: كيف أسلمت؟ فقال: إني أردت أن أختبر أهل الأديان، قال: فعمدت إلى التوراة، فأخذت منها نسخة فزدت وأنقصت وحرفت وبدلت، وكتبتها بخط حسن ودفعتها للوراقين، فبيعت، فما مضى حين إلا ورأيت الأحبار يقرءونها في البيع، قال: فقلت: هذا الدين باطل، ثم عمدت إلى الإنجيل، فأخذت الإنجيل فنقلته، فحرفت وبدلت وزدت ونقصت، ودفعته إلى الوراقين -أي أصحاب المكتبات- فما مضى زمن إلا ورهبانهم وقساوستهم يقرءونه في الكنائس -وقد أصدر اليهود طبعة للإنجيل قبل حوالى 15 أو 20 سنة، غيرت خمسمائة كلمة من الإنجيل تتعرض لليهود وتذمهم- قال: فجئت إلى القرآن فكتبته وزدت ونقصت، ثم دفعته إلى الوراقين، قال: فكلما أعطيته أحداً يتصفحه رماه في وجهي ورده عليّ، فحاولت مراراً حتى عرفت أنه لا يمكن تحريفه، فأيقنت أن هذا الدين حق، ودخلت في الإسلام.
    ذكرها البيهقي رحمه الله في دلائل النبوة، وذكرتها شاهداً لقوله: "والذين حاولوا هدم الإسلام، وجهوا مردة شياطينهم للطعن في القرآن المجيد، ولكن هيهات! فباءوا بمرارة الفشل، وبغضب ممن علم القرآن.
    ولا عجب في مسلك هؤلاء الكفار، ولكن العجب كل العجب أن نجد ممن ينتمي إلى الإسلام من يضل ضلال هؤلاء الكفار!" أي: اليهود والنصارى، يقول: "فغلاة الجعفرية عز عليهم أن يخلو القرآن الكريم من نصوص ظاهرة صريحة تؤيد عقيدتهم في الإمامة، فلم يكتفوا بالتأويلات الفاسدة -كما سنرى- بل أقدموا على جريمة مدبرة، فطعنوا في الصحابة الأكرمين، وعلى الأخص الخلفاء الراشدين الذين سبقوا الإمام علياً، وأرادوا من هذا الطعن الافتراء عليهم بأنهم غير أمناء على تنفيذ الشريعة ونقلها، وحفظ كتاب الله العزيز، ولذا انتهوا من هذا الطعن إلى أنهم اغتصبوا الخلافة، وحرفوا القرآن الكريم حتى لا يفتضح أمرهم، ولا يظهر حق علي في الخلافة والأئمة من بعده!!".
    فأصل القضية أنهم يقولون: علي لم يتول الخلافة؛ لأن الخلفاء الثلاثة غصبوه هذا المنصب، وظلموه، وأخذوا الخلافة منه، ولما وجد الرافضة أن هذا لا يكفي، قالوا بما هو أعظم من ذلك، وهو أن القرآن نص على خلافته وإمامته، ولكن الراشدين الثلاثة غيروا الآيات التي في القرآن، وزادوا ونقصوا؛ ليطمسوا ما يدل على إمامته.
    يقول: "ومن أشهر كتب هؤلاء الغلاة: كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، قال مؤلفه حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي في صفحة (2): هذا كتاب لطيف وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضايح أهل الجور والعدوان". والكتاب مطبوع، وهو موجود في مكتبة الحرم، ومكتبة جامعة أم القرى، ومكتبة دار الحديث، وعندي نسخة منه أيضاً، وليس كتاباً قديماً؛ لأن صاحبه ولد سنة 1254هـ وتوفي سنة 1320هـ فهو في القرن الرابع عشر!
    يقول: "وذكر روايات كثيرة تفيد التحريف، منها: لما انتقل سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من دار الفناء، وفعل صنما قريش -يقصدون بهما: أبا بكر وعمر - ما فعلا من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن كله، ووضعه في إزار، وأتى به إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه، أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعرضه عليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال فرعون هذه الأمة ونمرودها -يقصدون: أبا بكر وعمر -: لسنا محتاجين إلى قرآنك .. فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح وعثمان وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وأبو سعيد الخدري وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين، وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت عنهم بعد وفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فلذا ترى الآيات غير مرتبطة!! والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام بخطه محفوظ عند صاحب الأمر عجل الله فرجه، فيه كل شيء حتى أرش الخدش "وصاحب الأمر عندهم هو القائم المهدي المنتظر الموجود في السرداب، فالقرآن الحق مخفي عند مهدي الرافضة، لا يتعبد به ولا يحكم به بين الناس! ولو سألت اليهودي عن التوراة لقال لك: ما في هذه التوراة هو الحق وأنا أتعبد الله بها، فهو يتمسك بها رغم علمنا نحن أنها محرفة فهي عنده شيء حقيقي ملموس، وكذلك النصراني يتمسك بالإنجيل -وإن كان محرفاً- ويتعبد الله به، أما هؤلاء فلا عقول لهم، حيث يتعبدون بشيء غير موجود أصلاً، فيقولون: القرآن الحقيقي غير موجود، والله عز وجل أنزل القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم حي، فلما مات نسخ وبدل، فـعلي أدخله في الإزار وتركه إلى عام 261هـ ليذهب في السرداب، فهل هذا يليق بالله -عز وجل- ثم بالصحابة؟! فأين جهد النبي صلى الله عليه وسلم؟! وأين تزكيته وتربيته لهم؟! ثم تجدهم يقولون: نحن الآن نتعبد بهذا القرآن ونقرأه؛ لأن القرآن الحقيقي مفقود، فإذا أخرجه المهدي تركنا هذا..!
    فلو فرض أن إنساناً منهم كان يتعبد بهذا القرآن أشد العبادة، يقف عند كل حد من حدوده، يمتثل أمره ويجتنب نهيه بخشوع وامتثال، لكنه مبيت في نيته أنه إذا جاء القرآن الحق من السرداب ترك هذا، أيكون هذا مؤمناً؟! لو قال أحد: سأصلي إلى أن أبلغ من العمر ستين سنة، ثم أترك الصلاة، فهذا حكمه أنه كافر من الآن؛ لأن نيته الكفر آجلاً ولا فرق.
    وكذلك لو قال شخص آخر: أومن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى عام كذا، ثم أنكرها، فيكفر من الآن؛ لأنه مبيتٌ للكفر.
    فهؤلاء يصلون ويحجون ويصومون ويبكون إذا قرءوا القرآن، لكنهم مبيتو الكفر في ضمائرهم يوماً ما إذا خرج القرآن الحقيقي، فهم كفار لذلك.
    ثم هل تجد يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً -فضلاً عن المسلمين- يستطيع أن يطعن في علي رضي الله عنه، بمثل ما طعنت فيه الشيعة؛ أن يبلغ به الجبن -على حد زعمهم- إلى حد أنه يراهم وهم يبدلون كلام الله، ويشطبون آيات ويزيدون آيات، ويأخذ الإزار بما فيه من قرآن، ثم يتولى عنهم وهو ساكت، ويتركهم ويقول: أنا أحفظ هذا القرآن لأولادي؟!
    هذا لا يفعله إلا أضعف الناس، والمسلم العامي الذي لا يفقه شيئاً في الدين، لو رأى إنساناً يشطب في القرآن لضربه أو قتله، فانظر إلى كلام الشيعة كيف اتهموا علياً، وجعلوه أجبن الناس، وأكثر الناس نفاقاً، ويكون وزيراً لفرعون والنمرود ويبلغ به الحال إلى أن يزوج عمر -والذي يسمونه النمرود- ابنته، وهذا لا يفعله إلا إنسان منسلخ، ليس عنده دين.
    فإذاً: لابد من أحد أمرين: إما أن علياً والصحابة كما قال هؤلاء الأفاكون، أو أن هؤلاء كذبة زنادقة، ولا يمكن عقلاً إلا ثبوت أحد الحكمين، ولا شك عندنا أن هؤلاء زنادقة كذبة، كذبوا على الصحابة وكذا على علي رضي الله تعالى عنه.
    ثم يقول: " فيه كل شيء حتى أرش الخدش" أي: فيه دية الخدش، وهم بذلك يدعون أن فيه تفصيل الأحكام جميعاً.
    يقول: "ومنها: ما نسب للإمام الصادق: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين" يقول: لو كان القرآن يقرأ كما نزل لوجدتم أسماءنا فيه، يعني: جعفر الصادق ومحمد الباقر، والكاظم إلى آخر الأئمة.
    يقول: "ونقل عن صاحب كتاب بستان المذاهب قوله: بعضهم يقولون: إن عثمان أحرق المصاحف وأتلف السور التي كانت في فضل علي وأهل بيته".
    والحقيقة أن عثمان رضي الله عنه أمر بإتلاف المصاحف الشاذة، وجمع الناس على المصحف الإمام، فالقراءات المنسوخة، أو الشاذة أمر بإتلافها؛ ليجتمع الناس على القراءة الصحيحة، وهي العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من حفظ الله لكتابه، أما الشيعة فيقولون: أحرقت المصاحف التي فيها ذكر علي وإمامته، وفضائل أهل البيت، نعوذ بالله من الضلال.
    يقول: "ومنها: هذه السورة، (بسم الله الرحمن الرحيم...) وذكر سورة كاملة مفتراة، ثم عقب عليها بقوله: ظاهر كلامه أنه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجد لها أثراً فيها، غير أن الشيخ محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني ذكر في كتاب المثالب -على ما حكي عنه- أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية ولعلها هذه السورة".
    هذه نماذج قليلة ذكرناها بنصها، والكتاب كله يخبط في ظلام هذا الضلال، ثم يفتري هذا على أهل البيت الأطهار، فمن أولئك الغلاة المفترون؟
    يقول السالوس: "قال مؤلف الكتاب السابق -يعني فصل الخطاب:- وقوع التغيير والنقصان فيه هو مذهب الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي شيخ الكليني ".
    ثم بعد هذه النقولات عن مشايخهم تراهم يقولون: هذه أقوال، وهذه أباطيل الصهيونية العالمية، تفتري علينا وأنتم تصدقون، هؤلاء اليهود ينسبون إلينا ذلك حتى يفرقوا بين المسلمين. هذا كلام الشيعة، وخاصة للشباب المسلم في أمريكا وأوروبا ودول أخرى، حتى إنهم قالوا في بعض كتب الخميني أن اليهود هم الذين ألفوها، مع أنه هنا يقول بأن القول بتحريف القرآن هو مذهب الشيخ الجليل القمي، شيخ الكليني صاحب أصول الكافي.
    يقول: "في تفسيره صرح بذلك في أوله، وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله بأن لا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته، ومذهب تلميذه ثقة الإسلام الكليني رحمه الله على ما نسبه إليه جماعة لنقله الأخبار الكثيرة الصريحة في هذا المعنى في كتاب الحجة، خصوصاً في باب النكت والنتف من التنزيل وفي الروضة، ومن غير تعرض لردها أو تأويلها" يعني: أن الكليني في الكافي لم يؤول ولم يرد هذه النصوص الدالة على أن القرآن محرف.
    يقول: "واستظهر المحقق السيد محسن الكاظمي في شرح الوافية مذهبه من الباب الذي عقده فيه وسماه: (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة عليهم السلام) فإن الظاهر من طريقته أنه إنما يعقد الباب لما يرتضيه، قلت: وهو كما ذكره، فإن مذاهب القدماء تعلم غالباً من عناوين أبوابهم، وبه صرح أيضاً العلامة المجلسي في مرآة العقول، وبهذا يعلم مذهب الثقة الجليل محمد بن الحسن الصفار في كتاب البصائر من الباب الذي له أيضاً فيه، وعنوانه هكذا (باب في الأئمة أن عندهم لجميع القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو أصرح في الدلالة مما في الكافي، ومن باب (أن الأئمة محدثون).
    وهذا المذهب -أي: مذهب القول بأن القرآن محرف- صريح الثقة محمد بن إبراهيم النعماني، تلميذ الكليني، صاحب كتاب الغيبة المشهور في تفسيره الصغير الذي اقتصر فيه على ذكر أنواع الآيات وأقسامها، وهو بمنزلة الشرح لمقدمة تفسير علي بن إبراهيم، وصريح الثقة الجليل سعد بن عبد الله القمي في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه، كما في المجلد التاسع عشر من البحار، فإنه عقد فيه باباً ترجمته: (باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله عز وجل مما رواه مشايخنا رحمة الله عليهم من العلماء من آل محمد)" يقول السالوس: "واستمر المؤلف في ذكر القائلين بالتحريف ... إلى أن قال: ومن جميع ما ذكرناه ونقلناه بتتبعي القاصر، يمكن دعوى الشهرة العظيمة بين المتقدمين، وانحصار المخالف فيهم بأشخاص معينين يأتي ذكرهم".
    إذاً: القول بأن القرآن محرف، مشهور شهرة عظيمة بين المتقدمين من الشيعة .
    1. تواتر الأخبار عند الشيعة على تحريف القرآن

      ثم قال: "قال السيد المحدث الجزائري في الأنوار " وهذا من أخبثهم وأنجسهم، والجزائري نسبة إلى جزائر في بحر الخليج "ما معناه: إن الأصحاب قد أطبقوا على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة، الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن: كلاماً ومادة وإعراباً، والتصديق بها" يعني يجب أن نعتقد التحريف، وأن نصدق به.
      "ثم قال: (ومن جميع ذلك ظهر فساد ما ذكره المحقق الكاظمي، من انحصار القائل به في علي بن إبراهيم والكليني، أو مع المفيد وبعض متأخري المتأخرين).
      ثم اتهم الصحابة -خير أمة أخرجت للناس- بالكفر والعناد والجبروت والغباء، ليصل إلى أنهم ليسوا أهلاً لجمعه كما أنزل.
      وأكثر من ذكر الروايات كرواية الكليني عن الإمام الصادق: "إن القرآن الذي جاء به جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، سبعة عشر ألف آية".
      وعلق السالوس على هذا في الحاشية بقوله: "ومعلوم أن القرآن الكريم آيات لا تصل إلى ستة آلاف وثلاثمائة، ومعنى رواية الكليني : أن أكثر من عشرة آلاف آية قد حذفت".
      جاء في البرهان للزركشي : أن عدد آياته -في قول علي رضي الله تعالى عنه- (6218) ستة آلاف ومائتان وثماني عشرة.
      ثم يعود السالوس لنقل كلام الكليني فيقول: "وقال: إن الأخبار الدالة على ذلك -أي: على التحريف- تزيد على ألفي حديث".
      فهذا عندهم ليس متواتراً فحسب، وإنما فوق المتواتر، وكأنه لا هم لهم إلا أن يجمعوا الأحاديث التي تكذب القرآن والسنة ويجمعوا تلك الروايات، ولو أن واحداً جمع ألفي حديث يُعد هذا كتاباً ضخماً من كتب السنة، لكن هم جمعوا ألفي حديث فقط للدلالة على أن القرآن محرف!!!
      يقول: "وادعى استفاضتها جماعة كـالمفيد والمحقق والداماد، والعلامة المجلسي وغيرهم، ثم قال: (واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة، التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية، إلا كتاب القراءات لـأحمد بن محمد السياري، فقد ضعفه أئمة الرجال، فالواجب علينا ذكر بعض القرائن الدالة على جواز الاستناد إلى هذا الكتاب)".
      يقول السالوس: " وقال أحد مفسري الجعفرية : (أما اعتقاد مشايخنا رحمهم الله في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني -طاب ثراه- أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن؛ لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي، ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه" يعني يرى الكليني أن كل ما في الكافي صحيح، هذا ما عليه أئمة الروافض وعامتهم، فهو مثل صحيح البخاري عند المسلمين.
      يقول: "وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي، فإن تفسيره مملوء منه، وله غلو فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي .. فإنه أيضاً نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج ".
      قال السالوس: "وقال أحد كتابهم المعاصرين في مقدمة كتبها لـتفسير القمي : ( هذا التفسير كغيره من التفاسير القديمة، تشتمل على روايات مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا لم يسلم من التحريف والتغيير، وجوابه أنه لم ينفرد المصنف بذكرها، بل وافقه فيه غيره من المحدثين المتقدمين والمتأخرين، عامة وخاصة)".
      مفاد كلامه: لماذا تنكرون على الشيخ حين قال: إن القرآن محرف؟ فإن هذا مذهب جمهور المتقدمين والمتأخرين، وهذه عقيدتهم، وهذا دينهم.
      قال السالوس: "ثم ذكر القائلين بالتحريف فقال بأنهم: الكليني والبرقي والعياشي والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني، والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها".
      والمعاصرون منهم يستحيون أحياناً أن يقولوا: إنه محرف، ويضطرون أن يدافعوا عن أنفسهم بالإنكار.
      ثم يستطرد السالوس ناقلاً عن صاحب المقدمة قوله: "(والذي يهون الخطب أن التحريف اللازم على قولهم يسير جداً، مخصوص بآيات الولاية، فهو غير مغير للأحكام، ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن، فهو ليس بتحريف في الحقيقة، فلا ينال لغير الشيعة أن يشنع عليهم من هذه الجهة!)".
      ومعنى كلامه: لا تشنعوا على الشيعة، فالأمر هين وبسيط، والتحريف محصور في آيات الولاية فقط، أما الأحكام فليس فيها تغيير.
      فيقال لهم: أولاً: أنتم تجعلون سورة الولاية أساس الدين.
      ثانياً: إذا كان القرآن سبعة عشر ألف آية، وحذف منها عشرة آلاف، فمعنى ذلك أن آيات الولاية عشرة آلاف؟ فإن قالوا: نعم، فهذه مصيبة، أيحذف عشرة آلاف آية وتترك ستة آلاف من الأحكام والأمور التي هي ثانوية أو فرعية بالنسبة للإمامة؟! وإن قالوا: في الإمامة وفي غيرها؛ قلنا: هذا تناقض؛ لأنكم تقولون: المحذوف خاص بالولاية!! فالعشرة آلاف في أي شيء؟! ثم نقول: لو أن أحداً أنكر جملة أو حرفاً من القرآن؛ لكان كافراً حلال الدم، فكيف بسورة الولاية؟!
      يقول السالوس: "هذه حركة من حركات التشكيك والتضليل، قام بها غلاة الجعفرية، وسنعود للحديث عن بعض هؤلاء الغلاة عند تناولنا لكتبهم، ولكن المهم هنا أن المعتدلين من إخواننا الجعفرية ".
      وهذا كلام المؤلف، ونحن أخذنا كلامه على أنه قول خاص به؛ لأنه يعتبر نفسه معتدلاً، ويعتبر الجعفرية إخوانه، فيقول: "ولكن المهم هنا أن المعتدلين من إخواننا الجعفرية قد تصدوا لهذه الحركة قديماً وحديثاً"، ثم ذكر بعض كتبهم... إلى أن قال ناقلاً كلام الطوسي الذي يعد من كلام المعتدلين عندهم: "وقال الشيخ الطوسي : أما الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق به أيضاً؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر من الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها؛ لأنه يمكن تأويلها".
      فهذا المعتدل يقول: الأليق والظاهر، وهو الذي عليه الغالب، أنه ليس فيه زيادة ولا نقصان، ومذهب أهل السنة أن من شك في وجود الزيادة أو النقص كفر، فهم يقولون رداً على ذلك: لا هذا مذهب راجح، وهو الصحيح، وهو بذلك يعني: أن تحريف القرآن من عدم تحريفه مسألة خلافية مثلها مثل الخلاف في أي مسألة فرعية، كما قال: (غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد... والأولى الإعراض عنها، وترك التشاغل بها؛ لأنه يمكن تأويلها)، فغاية ما عندهم الإعراض عن هذه الروايات.
      ويواصل السالوس نقل كلام الطوسي الذي يقول: "ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه.
      وقال الصدوق : (اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، وليس أكثر من ذلك... ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب)".
      ثم ينتقل إلى المعاصرين ويأتي برأي أحدهم فيقول: "قال محمد الحسين آل كاشف الغطا : يعتقد الشيعة الإمامية أن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه -أي إلى محمد صلى الله عليه وسلم- للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين إلى وجود نقص فيه أو تحريف، فهو مخطئ بنص الكتاب العظيم: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))[الحجر:9]، والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة، وأخبار الآحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار، أو يضرب بها الجدار".
      ثم يذكر مذهب أبي القاسم الخوئي -مرجعهم في العراق - ومحمد جواد النجفي، ومحمد تقي الحكيم.